كارستن نيبور الناجي الوحيد من رحلة غيرت نظرة الغرب إلى العرب

عدن الان متابعة خاصة

وثقت مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، رحلة الألماني كارستن نيبور، في إصدارها ترجمة لكتاب “رحلة نيبور إلى الجزيرة العربية”، الذي يروي فيه رحلته من الدنمارك إلى الجزيرة العربية مع ستة من العلماء الذين فارقوا الحياة قبل إكمال الرحلة؛ بسبب المرض؛ إلا أن المؤلف تابع الرحلة وحيداً، وكانت أهداف الرحلة الإجابة على أسئلة طرحتها أكاديمية العلوم بباريس حول هذه البقعة من العالم.

وكارستن نيبور عاش في الفترة ما بين الـ17 من مارس 1733 والـ26 من أبريل 1815، حيث ولد في قرية بشمال غرب ألمانيا في سكسونيا السفلى، من عائلة فلاحين بسطاء وقليلي التعليم، ورغم أنه عمل فلاحاً في مزرعته في أول سنين حياته، فقد أظهر ميلا لدراسة الرياضيات وتلقى بعض الدروس في علم المساحة
والخرائط حيث كان مهتمًا بالرياضيات التي كابد في تعلمها حتى أصبح ذا شأن علمي كبير، وأخذ مكانة هامة كمستكشف وعالم خرائط، وعمل في خدمة الدولة الدنماركية، وصار عضوا بالأكاديمية الملكية السويدية للعلوم وأكاديمية النقوش والآداب الجميلة.

في عام 1760 دعاه أحد أساتذته للانضمام إلى فريق الاستكشاف العلمي الذي كان الملك فريدريك الخامس ملك الدنمارك يستعد لإرساله إلى مصر والجزيرة العربية وسوريا.

من أجل التأهل لهذا العمل، درس بجدّ خلال الثمانية عشر شهرًا التي سبقت مغادرة البعثة المختصة في الرياضيات ورسم الخرائط وعلم الفلك مع توبياس ماير (1723 – 1762)، والذي يعد أحد أهم علماء الفلك في القرن الثامن عشر.

خلال فترة الإعداد هذه، تمكن نيبور أيضًا من اكتساب بعض أساسيات اللغة العربية، ومن ثم أبحرت البعثة في الـ4 من يناير 1761، ووصلت الإسكندرية مساء الـ26 من سبتمبر، وسافرت في منطقة دلتا النيل لمدة عام. ثم اتجهت إلى السويس في سبتمبر 1762. ومن هناك ذهب نيبور إلى جبل سيناء وفي أكتوبر 1762 غادرت البعثة السويس إلى جدة.

كتاب ألغى النظرة الاستشراقية إلى بلاد العرب وحضارتها وفتح آفاقا للرحالة الغربيين

وصل العلماء الخمسة إلى ميناء اليمن الحالي في خريف عام 1762، ثم أبحروا نحو اللُؤية واستمروا في رحلتهم على ظهور الحمير والجمال في تهامة، وهي منطقة جبلية في جنوب غرب اليمن. في الطريق من المخا إلى تعز، مات عالم فقه اللغة الدنماركي وعالم اللاهوت فريدريك كريستيان فون هافن (1728 – 1763) بسبب الإرهاق والمرض، وبعد ذلك بوقت قصير توفي عالم الطبيعة السويدي بير فورسكول (1732 – 1763). ثم زار الناجون صنعاء في يوليو 1763، لكنهم عانوا كثيرا من المناخ وأسلوب الحياة لدرجة أنهم عادوا إلى المخا في الـ5 من أغسطس.

وكانت جزيرة العرب تشكل بقعة مجهولة بالنسبة إلى العالم الأوروبي، حيث أسهمت كتب الرحالة الذين وفدوا إليها في القرون الماضية بشكل كبير في إضاءة ملامح الجزيرة العربية وما تكتنزه من تراث وثراء معرفي.

وخلال رحلته كان نيبور مراقبا دقيقا ويقظا، فقد وهب غريزة العالم واستقامة أخلاقية كبيرة، سجل نتائج ملاحظاته بضمير صارم ورغبة كبيرة في تمثيل الواقع. وقد أثبتت ملاحظاته خلال الرحلة الاستكشافية إلى شبه الجزيرة العربية أن استخدام طريقة تحديد خط الطول بالمسافة من القمر من قبل البحارة كان دقيقًا وعمليًا. كما كانت النسخ التي صنعها في برسيبوليس للكتابة المسمارية، على سبيل المثال، دقيقة للغاية لدرجة أنها استخدمت فيما بعد لفك شفرتها.

وفي الكتاب الجديد نجد رسم نيبور لأول خرائط تفصيلية لجزيرة العرب، وعدد من المناطق، والمدن التي زارها في كل من اليمن والعراق والخليج العربي وسوريا وفلسطين، ووصف عادات أهلها وأحوالهم المعيشية والاجتماعية، وبعض الخرائط يُستفاد منها إلى يومنا هذا.

ونشر المؤلف نتائج رحلته في العديد من الكتب والمقالات، وكان أهمها الكتاب الذي بين أيدينا، وهو يُعد أول وصف علمي يقوم به رحالة أوروبي للجزيرة العربية ومناطقها ومدنها، حيث كان المؤلف قوي الملاحظة، وكانت أبحاثه حول الشرق، والجزيرة العربية بشكل خاص، الأولى من نوعها؛ وعدَّه المستشرقون الأوروبيون “المؤسس الأول” للبحوث العلمية والجغرافية عن بلاد العرب.

وفتحت رحلة المؤلف آفاقا واسعة للبحث العلمي حول تاريخ شعوب هذه المنطقة وحضاراتها، فتتالت البعثات من بعده للتعمق بالموضوعات التي طرحها نيبور في وصف رحلته، خصوصاً العادات والتقاليد والديانة وشعائر الحج ووصف بعض المدن العربية وعماراتها وأسواقها وجوامعها؛ مما دفع الأكاديميات الأوروبية إلى تشجيع تعلّم اللغة العربية وفتح اختصاصات تاريخ الجزيرة العربية وجغرافيتها والأنثربولوجيا والعلوم الإسلامية، فإلى عصر التنوير تعود أوائل الترجمات الأجنبية للقرآن الكريم باللغات الأوروبية.

غيرت هذه الرحلة النظرة الاستشراقية لجملة من الثوابت العلمية عن بلاد العرب، حيث كانت تجهل الحضارة العربية والإسلامية، وعززت من قيمة البحث العلمي وفتحت المجال أمام الرحالة والباحثين لقراءة المنجز الحضاري والتراثي للعالم العربي، وقراءة ما تكتنزه جزيرة العرب والمملكة من عناصر ثقافية وتراثية وحضارية متنوعة.