احذروا المستأجر الغريب

عدن الان/ رأي:

قرأت قبل أيام كلاماً مختصراً لقصة كتبها روائي تركي يدعى عزيز نيسين.. القصة بقدر ما تحمل من رمزية وطنية فهي أيضاً تسقط حتى على الفرد قبل المجتمع الصغير والوطن الكبير، ويمكن أن يكون الغريب الذي تتنازل له عما تملك حتى ولو فكرة أو ادمانا على شيء ما.. ليأتي هذا الشيء فيستهلك اوقاتنا وأموالنا ويسرق منا نجاحات كان بالإمكان تحقيقها لو لم نسلم له اوقاتنا وأهدافنا..
الغريب الذي يسرقك رمزية ذات عدة رؤوس..

ولنعد للقصة التي أثارت السلطات في تركيا أبان الحكم العسكري القمعي، وأنا هنا أنقلها برمزيتها السياسية والشخصية فكم من واحد منا امتلك فكرة أو موهبة أو شهادة ومع ذلك ركن للكسل أو اهدار وقته مع كل الملهيات التي تحيط بنا فأصبح عالة على أسرته ومجتمعه ووطنه، ضائعاً بائساً يعيش في أدنى المستويات، إضافة إلى أنه قد يقضي أيامه يستدين من هذا أو يمد يده لذاك.

 قصة الكاتب التركي يمكن أن تقدم كدورة تدريبية متكاملة في بناء الذات لمن يعرف استخلاص العبر مما يقرأ ويسمع.

لن أخوض في دلالتها السياسية فهي واضحةً تماماً، بل سأترك لكم القصة لتقرأوها وكل يضع الخاتمة التي يشاء بعد القراءة،،

يقول الروائي التركي عزيز نيسين في قصته القصيرة، أنّ عائلةً كانت تعيش في بيتٍ كبير، فلم تجد مانعاً من أن تؤجر حجرة منه ثم حجرة أخرى ثم حجرة ثالثة، وهكذا جرى المال في يد الأسرة وراحت تنفقه على أشياء لا لزوم لها.. لكن المستأجرين سرعان ما ضجوا بالشكوى من قلة المياه فوافقت الأسرة على أن تقترض منهم لإصلاح المياه.. ثم اقترضت منهم لإصلاح شبكة الصرف.. ثم اقترضت منهم لإصلاح طرقات الحديقة ولأنها عجزت عن السداد فقد سمحت بمزيد من الغرباء يدخلون البيت ويسكنون فيه ثم سمحت لهم بالسيطرة على الحديقة ثم تركت لهم كل البيت وسكنت فوق السطح ثم لم تجد مفراً من أن يعمل أفرادها في خدمة هؤلاء الغرباء ...
وهنا صرخ الابن الكبير: إن هذا البيت لم يعد بيتنا فنحن الذين أصبحنا فيه غرباء!
 لكن الأب غضب بعنف على ما سمعه من ابنه وسارع بفتح خزانته السرية وأخرج منها ورقة قديمة تثبت أنه ورث البيت أباً عن جد.

  وقد دخل عزيز نيسين السجن بعد نشر هذه القصة.. وقال المدعي العام العسكري الذي كان يحاكمه إنه كان يقصد الوطن بهذا البيت، فابتسم عزيز نيسين ابتسامةً ساخرةً وقال: ما دمتم بهذه الفطنة فلماذا فتحتم أبواب وحجرات الوطن للغرباء حتى احتلونا بالديون وأصبحنا نحن الغرباء رغم سندات الملكية التي نحملها ونحن سعداء؟!.

وفي الختام وددت أن اضيف ما أختتم به المقال فلم أجد أفضل من تساؤلات الرائع احمد مطر التي طرحها لأجيالٍ سابقةٍ قبل عقود، وهنا اعيد طرحها لعل القارئ يجد لها جواباً.

 إن كان الغربُ هو الحامي
 فلماذا نبتاع سلاحَه؟!
وإذا كان عدواً شرساً
 فلماذا نُدخله الساحة؟!
          **
 إن كان البترولُ رخيصاً
فلماذا نقعدُ في الظلمة؟!
 وإذا كان ثميناً جداً
 فلماذا لا نجد اللقمة؟!
  **           
 إن كان الحاكمُ مسؤولاً
فلماذا يرفضُ أن يُسأل؟!
 وإذا كان سُمُو إلهٍ
فلماذا يسمُو للأسفل؟!
    **       
 إن كان لدولتنا وزنٌ
 فلماذا تهزمها نمله؟!
وإذا كانت عـفطةَ عـنـزٍ
فلماذا ندعوها دولة؟!
 **       
إن كان الثوريُ نظيفاً
فلماذا تتسخُ الثورة؟!
وإذا كان وسيلةَ بولٍ
فلماذا نحترمُ العورة؟!
  **      
إن كان الوضعُ طبيعياً
فلماذا نهوى التطبيع؟!
وإذا كان رهينَ الفوضى
 فلماذا نمشي كقطيع؟!
    **

مقالات الكاتب