الفخر بالأجداد الأوائل 

عدن الان/ رأي:

 

الفخر بالأجداد الأوائل والتاريخ العربي المجيد هو أمر شائع الحدوث في البلاد العربية من المحيط الى الخليج، وحينما نقول (المحيط)  نقصد به عرب الشمال الافريقي المغرب العربي ونعني أهلنا في الرباط والجزائر وتونس ونواكشوط الموريتانية والصحراء المغاربية وضواحيهما.

ومن ألبوم الذكريات تذكرت أخوة عرب من مغربنا العربي وتحديدا من نواكشوط العاصمة الموريتانية التقيت بهم في عاصمة الرشيد بغداد عام 1998م حين كنت في زيارة خاصة للعراق العظيم.
حيث تعرفت عليهم في مقهى يرتاده كثيرون من أخواننا العرب يقع على ضفاف نهر دجلة الذي يقسم بغداد الى جهتين منها منطقتي الكرخ والكرادة من ناحية أذا لم أكن مخطأ  وهناك كان اللقاء الأول بأخ  يدعى محمد وزوجته بلقيس وبالمصادفة  كان ينزلان في فندق الرشيد وسط بغداد الذي كنت أنزل فيه وكان يتحضران للعودة الى بلادهم بعد أن  أكملا دراستهما بالجامعة المستنصرية ببغداد، وحينما عرفا أنني يمني  ومن اللحظة الاولى أحسست بتقربهم مني وبكل وقار واحترام وأعتزاز وشعرت بأهتمامهم لمعرفة أكبر عن  احوال اليمن حينها.

المهم بالامر هنا أندمجت بهم بشكل سريع ودون تحفظات لنظرة الاحترام العروبية الحقة منهم تجاهي وبشكل صادق وكأننا نعرف بعض من سنوات، فكانت أيام جميلة عشتها لازالت الذاكرة تحتفظ بها على الرغم من الرحلة الشاقة الى بغداد عبر الأردن في زمن الحصار ، لكن الاجمل من ذلك هي حكاية الموريتانيون مع الاجداد الأوائل والفخر بهم ، كما يقولان محمد وزوجته بلقيس بأنه أمر طبيعي وعادي يحصل عندهم في نواكشوط عاصمتهم وبشكل يومي في اطار من الجدل والنقاش والتباهي بالانساب والانتماء العروبي  وحسبهم ستجده في كل مقهى أو ناد أو خيمة أو مدرسة ...حيث تدور هذه الحكايات الجميلة  وحين تسمعهم عليك أن تصغي بعناية شديدة لأنهم يسردون تاريخا بحوارهم وجدلهم العادي مع بعض وأن كان زوجين كأخوتي بالعروبة محمد وبلقيس.

  ووجدت نفسي ذات يوم من تلك الايام التي لاتنسى  ولاتمحى من الذاكرة الانسانية  أصغي لحوار بينهم ونحن نرتشف الشاي النواكشوطي  بعد عزومة غذاء شامية لي وأشتد النقاش بينهم بشكل متحضر وأن ارتفع الصوت في حدته ولكونه حديثا جميلا وفيه من الكبرياء والأنتماء والفخر والشموخ بالاجداد فانني اقتطف منه كماجاء منهم كحوار سلس وبصورة ظريفة

يقول محمد الزوج/ أنا من نسل قحطان
وترد عليه زوجته بلقيس/ وأنا ادعي بأنني من نسل عدنان....
فيرد عليها محمد القحطاني/ نحن عرب عاربه..بينما أنتم لستم ألا عرب مستعربة.
فترد عليه بلقيس العدنانية/ نحن منا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقبة بن نافع والأمويون والعباسيون بناة الحضارة العربية في أوج ازدهارها ونحن اليوم في عاصمة الرشيد التي كانت خير شاهد على تلك الحضارة
ويجيبها زوجها القحطاني/ ولكن من هم ملوك العرب القدامى قبل الأسلام بناة السد ( سد مأرب العظيم) وبناة مملكة سبأ الذين حطموا الجبروت والنير الحبشي وهزموا الفرس...أننا أهل الحضارة العربية القديمة...
وهنا ترد بلقيس العدنانية/ أنتم أغرقكم فأر وحكمتكم أمرأة ودل الهدد على مكانكم !!

ويؤكد لي الأثنان معا بأن مثل هذا سوف تسمعه حين تزور موريتانيا والعاصمة نواكشوط والصحراء المغاربية
وحينما أستمعت ذلك منهم بشكل تلقائي وعفوي أكدوا لي وبكل مكنوناتهم على  لون الحياة التي يعيشها هذا البلد العربي البعيد والعزيز من فخر وعزة ومجد عروبي أصيل والذي قد لاتجد إلا القليلون منا في اليمن يعرف عن هذا الشعب سوى أسم البلد وعاصمته بالكثير..

 كما قال لي أخوتي بالعروبة القحطاني والعدنانية أن المراة الموريتانية التي كانت تعيش حتى أواخر القرن العشرين على هامش الحياة  باتت حينها تتطلع وتعمل مع اخيها الرجل في بناء وطنهم الجديد وأنها تجد تشجيعا من المسؤولين عندهم لأخراجها من حياة البداوة والمجتمع المغلق الذي كانت تعيش فيه والذي لم يتأثر بأي عنصر من العناصر الفكرية أو الحضارية التي مرت على شمالنا العربي الأفريقي....

  وأكدوا لي حينها بأنه مازالت العادات والتقاليد المتوارثة سائدة في نواكشوط العاصمة ومنها أقامة مايسمى( خباء) والمقصود (خيمة) في الحديقة او الحوش يجلسوا تحتها عند أشتداد الحر وانها تذكرهم بحياة البادية التي عاشها اباءهم  وأجدادهم ، حتى السلام والتحية له حكاية فكلما طالت وكثرت كان دليلا على زيادة المال والعمر ، كما أن السلام باليد فيه مكفرة للذنوب.

وتقول بلقيس العدنانية أن الفتاة الموريتانية نزعت ( الملفحة) التي كانت تلفها كلها من اخمس قدميها حتى رأسها وأستعاضت عنها بالزي الاوروبي اثناء عملها.
وأن معنى موريتانيا قديما شنقبيط واللغة العربية فيها لغة البلاد الوطنية  ولكن اللغة الرسمية هي الفرنسية المستعملة في الدواوين الحكومية.

خلاصة القول هم يفتخرون بك لكونك يمني وأحسست بذلك من تصرفاتم وسلوكهم بالتعامل معي وأزداد ذلك رسوخا عندي حينما ودعوني بحرارة وبالدموع  عند مغادرتي بغداد وأنا من تعرفت عليهم خلال أيام معدودات أسابيع فقط لانهم يعرفون ويدركون التاريخ ويعرفوا أننا الاصل بلاد المنشأ وهم الفروع ، وعليه يجب علينا أن نكون قدوة لوطننا في السلوك وأن نبادلهم المحبة بالاحترام والتقدير والذين قد تجدهم يعرفون عنك الكثير بينما الكثير منا لايعرف عن نفسه وبلده ومجده إلا اليسير

فدعوة منا للأجيال بقراءة التاريخ العربي المجيد للمعرفة......واليوم وبعد ربع قرن من الزمن أقول لرفقتي في بغداد القحطاني والعدنانية النواكشوطيان أتمنى أن تكونا قد أسهمتا ببناء وتغيير وطنكم الى الافضل كما حلمتم به ، لكن قلبي يحترق على ذاك البلد العزيز والمكان الذي جمعنا ذات يوم تحت ظله وماجرى له مطلع الالفية الثالثة من غدر ودمار وسفك لدماء زكية لاخوة لنا...عسى الله يتقبلهم شهداء في فسيح جنته
وانه من الواجب علينا  وكل من وطأت اقدامه تلك الارض الطاهرة شرح ذلك الزمن للاجيال القادمة وبكل فخر وعزة لصمود شعب كريم وبلد عظيم وقيادة فذة ، فقد كشف المستور عن ذلك الخطأ التاريخي بحق الانسانية الذي ارتكبه العالم بأسره بحق العراق وشعبه وقيادته وزعيمه الشهيد الحي صدام حسين.