تجهيل العقل الجنوبي

عدن الان/ رأي:

مازالت عادة ممارسة التجهيل في مواجهة العقل الجنوبي تستهوي البعض ، وطالما استمرت هذه العادة ستستمر جهودنا التنويرية الداعية للخروج من قفص التجهيل.

 

آن الأوان للحديث عن الجنوب وقضيته بموضوعية وتجرد و بعيدا عن الترويج للمكونات والاطراف الإقليمية الداعمة لتلك المكونات ، فإصرار البعض على تقسيم الجنوب مابين (الشرعية ومكون الانتقالي) يمثل إمعانا في التجهيل، فالطرفان لا يمثلان إلا اتباعهما ومسألة استمرار تكرار اسطوانة التقسيم هذه يُظهر توالي حالة الجهالة التي قادت هذا البعض ذات يوم إلى إلصاق الجنوب قسراً بالحزب الاشتراكي اليمني.

 

لقد بات السواد الأعظم من أبناءالجنوب خارج إطار مكون الإنتقالي والشرعية معا بعد أن اتضحت أكاذيب شعارات الطرفين المتعلقة بالتحرير والاستقلال أو استعادة الشرعية ، ولم يبقى مع الشرعية ومكون الانتقالي إلا المدونة اسمائهم في كشوف المرتبات الشهرية (السعودية والإماراتية) وبالتالي فإن الحديث عن تقسيم الجنوبيين بين هذين الفصيلين هو حديث غير واقعي ويراد به الترويج للطرفين ليس إلا.


يحاول البعض إقناع الجنوبيين بأن ذهاب الاشتراكي عقب حرب 1994م إلى اللقاء المشترك هو تخلي عن الجنوب وقضيته ، بينما ذهاب الإنتقالي إلى ما سمي باتفاق الرياض هو ترسيخ لفك الارتباط واستعادة الدولة الجنوبية ، ونحن نرى ان لا فرق بين الاشتراكي 94م والانتقالي 2020م ، فالأول كان كل همه الإبقاء على دولة 13يناير86م ، والآخر مازال كل همه استعادة مكانة نفس الدولة في إطار اليمن الواحد ، وكان ومازال الجنوب وقضيته الغائب الاكبر (ونقصد هنا الجنوب الذي يمثل كل ابنائه) .


نتفق مع أصحاب الطرح الذي يقول أن إعلان الحرب 94م قد أسقط الوحدة ، ولكننا بالمقابل نختلف معهم حول الطرح الذي يتحدث عن سقوط اتفاقات الوحدة خصوصا بعد مشاركة بعض المكونات الجنوبية للحكومة  الشرعية وتحت راية اليمن الواحد ووفقا للمبادرة الخليجية والقرار الدولي 2216 .


 إذا أردنا إظهار احترامنا للعقل الجنوبي والكف عن عادة استغبائه فيجب أن نتحدث بالوقائع كما هي وأن نبتعد عن قٌبح السقوط في براثن التشدد للمكونات والأطراف الداعمة لها على حساب قضايا الوطن وسيادته فمن المنطق والعقل أن تتشابه التقييمات والاحكام طالما تشابهت الأفعال والسلوكيات.

 

عندما يخرج مؤتمر القاهرة الأول (الرئيس الجنوبي علي ناصر محمد ) عام 2011م بقرار الفيدرالية المزمنة من إقليمين ويتم تخوين الرجل ورفض المشروع ، ثم يأتي من يريد اقناعنا في العام 2021م أن الدخول تحت راية الشرعية اليمنية والقبول بماهو أقل من مخرجات مؤتمر القاهرة يعد انتصارا للجنوب وقضيته لمجرد تغير الأشخاص في واجهة العمل وانتماءاتهم المناطقية فالأمر هنا يؤكد أن ثقافة التجهيل مازالت هي السائدة وأن البعض لا يريد ان يغير سلوكه ويحترم العقل الجنوبي.


الكل يدرك أن نوايا نظام علي عبدالله صالح تجاه الجنوب تكشفت عند توقيع إتفاق  الوحدة مباشرة من خلال الإيعاز بتكوين حزب تجمع الإصلاح من رحم المؤتمر الشعبي ، ومن خلال كم الحقائق الكبير الذي ظهر والذي أوضح حجم اختراق أجهزة الأمن في (ج ، ع ، ي) للقيادات الجنوبية في بقايا حزب اشتراكيي دولة يناير 86م ، والحديث عن انكشاف تلك النوايا بعد إعلان مبادرة( إزالة آثار الحرب وتصحيح مسار الوحدة اليمنية) هو حديثا يحتاج إلى مراجعة تاريخية محايدة!.


الحديث عن عدم معرفة تلك النوايا تجاه الجنوب إلا من خلال رفض دعوة ( إزالة آثار الحرب وإصلاح مسار الوحدة) التي تبنتها بعض قيادات تلك الحقبة في كنف علي عبدالله صالح هو حديث يؤكد استمرار دعوات التجهيل من قبل البعض ويبشر بمسقبل جنوبي لايختلف كثيرا عن حقبةحكم بقايا اشتراكي يناير 86م .


إنتصار القضايا الوطنية يضل مرهونا بالإجماع الوطني ولا يتحقق إلا من خلال توفر شروطا موضوعية وذاتية يأتي في مقدمتها  توفر الأدوات الوطنية المتحررة من الارتباط والتبعية للاستخبارات الخارجية ، واستحضار النوايا الصادقة لمعالجة الأخطاء التي تسببت بوجود هذه القضايا ، والابتعاد عن أسباب تكرارها ،وبما إننا جنوبا قد جربنا الحزب الواحد وفُرض على من تبقى منا في الجنوب حينها الأنقياد خلف هذا الحزب فإن متطلبات عودة الوطن بالنسبة لنا  تكمن في إعدام هذه الثقافة والشروع في عمل وطني جبهوي يحترم التمثيل الوطني لمحافظات الجنوب دون وصاية ولا مزاجية اختيار للاتباع !

 

كثر حديث البعض عن أسباب فشل الوحدة اليمنية وربط ذلك بعدم استفتاء الشعب في الشمال والجنوب وهذا نتفق فيه معهم ، ولكن الخلاف مع هؤلاء يكمن في حالةالدوار السياسي التي تصيبهم عند الحديث معهم حول ضرورة إجراء استفتاء لشعب الجنوب يتحدد من خلاله ممثله الشرعي وفقا لآلية متحررة من الحشد المناطقي ومن فوضى سطوة المال الإقليمي ،  ويتحدد ايضا موقفه من البقاء في الوحدة من عدمه ، وموقفه من شكل النظام الذي يريده هذا الشعب في الجنوب إذا ما رست الخيارات على فك الارتباط مع الشمال.

مقالات الكاتب